المقريزي
203
المقفى الكبير
عوده عنها . فلم يشعر في رجوعه إلّا بسيل عظيم جاءه بغتة ، فهلك فيه من الكراع والخيل والرجّالة شيء كثير ، ونجا بنفسه وبمن معه إلى دمشق « 1 » . فملك ثمال معرّة النعمان وقتل جعفر بن كلّيد والي حمص « 2 » ، فأغرى الوزير أبو البركات « 3 » الخليفة المستنصر باللّه بناصر الدولة ، وأنّه أساء التدبير في عوده عن حلب . وما زال به حتّى ولّى دمشق القائد بهاء الدولة طارق الخادم الصقلبيّ ، وتقدّم إليه بالإسراع في المسير إلى دمشق جريدة « 4 » ، والقبض على ناصر الدولة . فقدم دمشق بغتة في يوم الجمعة أوّل يوم من شهر رجب ، ودخل القصر من حيث لم يشعر به أحد ، وجلس في دست ناصر الدولة ، واستدعاه إليه . فلمّا جاءه قبض عليه وحمله إلى صور ، ثمّ نقله إلى الرملة ، وصودر ، ثمّ نقل إلى القاهرة واعتقل بها إلى أن ورد الخبر بكائنة أمير الأمراء رفق [ الخادم ] « 5 » على حلب في ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين وأربعمائة ، [ ف ] أطلق من الاعتقال . وأعيد إلى ولاية دمشق في يوم الاثنين النصف من رجب سنة خمسين وأربعمائة ، فلم يزل عليها إلى أن خرج عسكر من مصر في سنة اثنتين وخمسين وصار إلى دمشق . وكتب لناصر الدولة أن يكون على العسكر ويتوجّه إلى قتال محمود بن نصر بن صالح بن مرداس ، وقد تغلّب على حلب وحصر الأمير مكين الدولة أبا علي الحسين بن علي بن ملهم بن دينار العقيليّ نائب المستنصر على حلب بالقلعة . فسار إليها فس سادس ربيع الأوّل حتّى وصل سرمين « 6 » ، ففرّت بنو كلاب ومحمود بن نصر إلى الشرق ليلة الاثنين سابع رجب منها ، فتبعهم ناصر الدولة ، وهو في خمسة عشر ألف فارس ، ومحمود في أقلّ من ألفين ، حتّى نزلوا على الفنيدق ، الذي عرف بعد ذلك ب « تلّ السلطان » . والتقى الفريقان هناك يوم الأربعاء سلخ رجب المذكور ، فانهزم من مع ناصر الدولة وجرح وجاءته ضربة في يده فشلّت ، وأخذ أسيرا ، فاشتراه محمود بن نصر بأربعين ألف دينار . وتسلّم حلب أسد الدولة أبو ذؤابة عطيّة بن صالح بن مرداس ، يوم الخميس أوّل شعبان . فأتاه محمود بن نصر فانهزم عطيّة منه آخر النهار ، وتسلّم محمود مدينة حلب يوم الجمعة [ 456 أ ] ثاني شعبان . وملك حلب ثلاثة في ثلاثة أيّام ، وهذا من غريب الاتّفاق . ثمّ تسلّم محمود القلعة في عاشر شعبان ، فلمّا قدم معزّ الدولة ثمال بن صالح بن مرداس من مصر اصطنع من في باب ناصر الدولة وخلّى سبيله . فعاد إلى مصر [ و ] في ذلك يقول عليّ بن عبد العزيز المعروف بالفكيك الشاعر ، وكان يمدح ناصر الدولة فلم يعطه شيئا [ الكامل ] : [ ولئن غلطت بأن مدحتك ، طالبا * جدواك ، مع علمي بأنّك باخل فالدولة الزهراء قد غلطت بأن * نعتتك ناصرها ، وأنت الخاذل
--> ( 1 ) خبر الهزيمة في الاتّعاظ 2 / 201 . ( 2 ) قتل ابن كلّيد لستّ بقين من شعبان سنة 440 ، ( اتّعاظ 2 / 202 ) . ( 3 ) هو الوزير الجرجرائيّ الحسين بن محمد ، وستأتي ترجمته رقم 1259 . ( 4 ) جريدة أي بدون أثقال ولا خدم طلبا للسرعة ( دوزي ) ، وأيضا فيلقا من الخيل منقطعا عن العسكر . ( 5 ) واقعة رفق الخادم في الاتّعاظ 2 / 209 . ( 6 ) سرمين : على مرحلة من حلب .